
الحب في الله عز وجل
تحدثنا في البحوث الماضية عن حب الإنسان لربه وحب الله لعبده، وهنا سوف نتحدث عن حب الإنسان لأخيه الإنسان في الله عز وجل، فإن أي عمل يقوم به المرء إذا لم يُدخل فيه نية التقرب إلى الله فلا ثمرة لهذا العمل، ومن هنا كثرت الأحاديث الحاثة على العمل في الله والحب في الله والبغض في الله حتى لا يذهب عمل العبد سدى وهباءاً، ومن هنا اعتبر الرسول أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله، لأن هذه الطريقة هي الميزان الذي يحاسَب به المرء يوم القيامة، فإذا لم يكن لله في عمله نصيب لم يكن له عند الله من عمله أي نصيب، ومن هنا ورد أن المرائي يأتي يوم القيامة يطالب بثواب الأعمال التي قام بها في دار الدنيا فيأتيه الجواب: خذ أجرك ممن عملت لهم، لأن النية في تلك الأعمال لم تكن متوجهة نحو الله عز وجل وإنما كانت متوجهة إلى أنظار الناس حتى يُمدَح من قبلهم ويقالَ فيه خيراً، فالحب والبغض في الله ليس أمراً ذوقياً بل هو واجب مفروض على كل إنسان، قال(ص) الحب في الله فريضة والبغض في الله فريضة: وقال: إن أوثق عُرى الإسلام أن تحب في الله وتبغض في الله: وفي حديث آخر: وُدُ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان ألا ومن أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو من أصفياء الله: فإذا صادقتَ شخصاً أو أظهرت له الحب من أجل مصلحة دنيوية لم يكن لهذه الصداقة أية صلة برب العالمين، ولهذا فإن المتحابَّين أعظمهما من كان حبه للآخر من أجل الله، قال الصادق: ما التقى مؤمنان قط إلا كان أفضلُهما أشدَّهما حباً لأخيه: وقال علي: إن أفضل الدين الحب في الله والبغض في الله والأخذ في الله والعطاء في الله: وقال: المودة في الله أقرب نسب: وقال الباقر: إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيراً فانظر إلى قلبك فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير، والله يبغضك، والمرء مع من أحب:
حب النبي وآله
أبغض الأمور عندنا أن يعمل المرء عملاً فلا ينتفع به يوم القيامة، وعدم المنفعة ناتجة عن تقصير منه في المقدمات المطلوبة لترتب الثواب على هذا العمل أو ذاك، فكثير منا يصلون ويصومون ويقرأون القرآن، ولكن هذه العبادات يجب أن تقوم على دعائمها المتينة وأسسها الثابتة لتكون مقبولة ومثمرة، فكثير من المسلمين يعملون ويجتهدون في العمل ويظنون بأنهم يحسنون صنعاً فتكون النتيجة لأعمالهم أنهم سيجدون ما عملوه كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءاً وهو مجرد انعكاس لحرارة الشمس تلمع به الأرض كما يلمع الماء، وهؤلاء مصداق لقوله تعالى(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) لقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق وبكل نور يضيء لنا الطريق في ظلمات الحياة، فرسم لنا طريق السعادة وحذّرنا من الخروج عن تلك الجادة لأن الخروج عنها يكلّفنا الكثير، فوسوس لنا بعض المعادين للحق فأنكرنا الرسول ولم نعمل بأوامره ولم نلتزم بوصاياه مع العلم بأن الله تعالى هو الذي أمرنا بأن نأخذ عن الرسول الذي لا ينطق عن الهوى حيث قال سبحانه(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) فكل عمل يريد أن يقوم به المسلم في هذه الحياة يجب أن يقوم على حب الرسول وآله وإلا كان العمل فاقداً للمنفعة، وهذا شرط واضح في قبول الأعمال من العباد، قال(ص) لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين: فحبك للرسول تعبير منك عن إيمانك بما جاء به من الحق، وإقرار بأنه المبعوث رحمة للعالمين، فكيف لا نحبه وهو شفيع ذنوبنا وهو سبب تكريم الله لنا وتفضيلنا على من سوانا بالدين الذي جاءنا به، فحبه من أعظم القربات وأفضل الطاعات، وأما الذين يأخذون بجزء من كلامه ولا يعملون بالجزء الآخر لأنه لا يتناسب مع انتماءاتهم السياسية والمذهبية فهؤلاء هم الخاسرون الذي آمنوا ببعض الكتاب وكفروا بالبعض الآخر، واسمعوا ما قاله الرسول في هذا الشأن.
قال(ص) لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأهلي أحبَّ إليه من أهله وعترتي أحب إليه من عترته وذريتي أحب إليه من ذريته:
وقال: أحبوا الله لِما يَغدوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي: ونحن نفهم من هذا الكلام أنه من أحب أهل البيت فقد أحب الرسول ومن أحب الرسول فقد أحب الله فلا ينفع حب الإنسان لربه إذا لم يحب الرسول وآله معاً إذ لا يمكن الفصل بين النبي وآله وهو جعلهم نفسَه.
حبُ أهل البيت(ع)
حب أهل البيت(ع) واجب على كل مسلم لأن حبهم طاعة لله عز وجل فهم الحبل المتصل بين الأرض والسماء وهم النجوم التي يهتدى بها في ظلمات الحياة، وهم الذين قال الله فيهم(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) وهم من قال فيهم(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) وهم الذين باهل بهم الرسول نصارى نجران تلك الحادثة التي أظهرت للأمة فضل آل الرسول والتي قال الله فيها(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) وهم المعنيون بآيات سورة الدهر التي مدحهم ربهم فيها بسبب إخلاصهم له، والميزة في حبهم أن الذي يعرفهم ويحبهم حقاً سوف يطيع الله في كل شيء لأنهم اشترطوا ذلك في محبتهم ونفوا حبهم للعاصين، فحب آل الرسول مَكسبةٌ للدنيا والآخرة، قال(ص) من رزقه اللهُ حب الأئمة من أهل بيتي فقد أصاب خير الدنيا والآخرة، فلا يَشُكَّنّ أنه في الجنة وإن في حب أهل بيتي عشرين خَصلة عشرٌ في الدنيا وعشرٌ في الآخرة: فمن أدرك من الناس نفع حب أهل البيت لاستمات في سبيل محبتهم لأنهم سيكونون معه في أشد المراحل التي يمر بها عند الوفاة وبعد الموت وفي البرزخ والمحشر، هذه الفوائد العظمى بيّنها لنا النبي(ص) عندما قال: حبُ أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالُهُنّ عظيمة: عند الوفاة وفي القبر وعند النشور وعند الكتاب وعند الحساب وعند الميزان وعند الصراط: وما أحوجنا في تلك المواطن إلى من يشفع لنا ويخفف الله عنا بفضله وبركته، ولم يجعل الله هذه المنافع في حب من سواهم لأن الأمر محصور بهم، وأهل البيت معروفون وهم علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومون من ذرية الحسين لا غير، فهم سفن النجاة وهم حبل الله المتين وهم الأنوار المقدسة وهم العروة الوثقى، ففي قوله تعالى(فقد استمسك بالعروة الوثقى) قال الباقر: مودتنا أهل البيت: وقال(ص) الأئمة من وُلد الحسين هم العروة الوثقى وهم الوسيلة إلى الله عز وجل:
وقال(ص) من أحب أن يركب سفينة النجاة ويستمسك بالعروة الوثقى ويعتصمَ بحبل الله المتين فليوالِ علياً بعدي وليعادِ عدوه وليأتمّ بالأئمة الهداة من وُلده: وقال: نحن كلمة التقوى وسبيل الهدى والمثل الأعلى والحجة العظمى والعروة الوثقى: وقال علي: أنا حبل الله المتين وأنا عروة الله الوثقى: وقال للحارث الهمداني لما أتاه ذات يوم: ما جاء بك؟ قال الحارث حبك واللهِ، قال(ع) إن كنت صادقاً لَتراني في ثلاثة مواطن، حيث تبلغ نفسُك هذه-وأومأ بيده إلى حنجرته- وعند الصراط وعند الحوض:
وقد أوضح الباقر حقيقة حبهم الذي ينفع فقال لجابر الجعفي: يا جابر بلّغ شيعتي عني السلام وأعلِمْهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله عز وجل ولا يُتقَرَّب إليه إلا بالطاعة له، يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو وليّنا ومن عصى الله لم ينفعه حبنا:
الموالون وكثرة ابتلاءاتهم
منذ أن منّ الله علينا بالولاية لآل رسول الله ونحن عرضةٌ للبلاء تلو البلاء فلم يرحمنا أحد ولم يقصّر أحد في ظلمنا وقتلنا وسبّنا وإلقاء الضرر فينا، وإن دلّنا هذا على شيء فإنما يدلنا على صدق ما نحن عليه لأن أكثر الناس ابتلاءاً هم المؤمنون الحقيقيون، ولعل السبب في كثرة البلاء أن الله تعالى رفع المؤمنين وأعلى شأنهم وهذا سبب وجيه في استهداف الناس لهم، هؤلاء الذين يعملون للدنيا وللرفعة فيها فتراهم رغم عملهم الدؤوب في إعلاء شأنهم أوضع من أبسط مؤمن، وهذا ما يزرع الحسد في قلوبهم فيجعل المؤمنين مستهدفين في كل زمان ومكان، ثم إن الله تعالى يمتحن حبنا للرسول وآله فيبتلينا ليرى هل نصبر كما صبروا فنقتدي بهم في جميع الحالات أم أن حبنا لهم مجرد ادعاء لا أساس له؟ إن حبنا لأهل البيت ينفعنا في الآخرة فإذا لم نلمس آثاره في الدنيا فلا يعني ذلك أنه لا أثر لحبهم، فهم من الدعاة إلى بناء الآخرة ومؤاثرتها على الدنيا فإن ظهر الخير في الدنيا قبل الآخرة فبها ونعمت وإن لم يظهر في الدنيا فلا شك بأنه سوف يكون في يوم القيامة، قال(ص) لأبي ذر: إن كنتَ تحبنا فأَعِدَّ للفقر تِجفافاً فإن الفقر أسرع إلى من يحبنا من السيل من أعلى الأكمة إلى أسفلها: وقال علي: من أحبنا أهلَ البيت فليُعِدّ للفقر جلباباً: وقال: لو أحبني جبلٌ لتهافت: وقال الصادق في صفة محبي أهل البيت: وطبقةٌ يحبونا في السر والعلانية هم النمط الأعلى شربوا من العذب الفرات وعلموا تأويل الكتاب وفَصْلَ الخطاب وسببَ الأسباب فهم النمط الأعلى الفقر والفاقة وأنواع البلاء أسرع إليهم من ركض الخيل مسّتْهم البأساء والضرّاء وزُلزِلوا وفُتنوا فمن بين مجروح ومذبوحٍ متفرّقين في كلّ بلادٍ قاسية: وعلى كل حال فإن الله تعالى سوف يحشر خلقه مع من أحبوا فإن أحبوا الشيطان حشرهم معه وإن أحبوا الهداة الميامين حشرهم معهم ولذا قال(ص) المرء مع من أحب: وفي حديث آخر: أنت مع مَن أحببت:
الشيخ علي فقيه



